بورتريه

بسام غراوي… خسارة بمرارة الشوكولا

بقلم – عدنان عبد الرزاق

تقتضي الدقة بمقاييس الخسارة ربما، أن يتم البدء من الإنسان، وكل ما بعده، من بنى وهياكل وماديات، هي تفاصيل. لأن الإنسان هو حامل التنمية، وكل ما عداه محمول.

هذا بالنسبة للإنسان بشكل عام، فماذا لو كانت خسائر سوريا خلال الثورة، من خيرة شبابها، قتلاً وإعاقة وهجرة، أو ممن رسموا ما كان لها، من اقتصاد وفن وعلم ومعرفة.

فخسارة نبيل المالح قبل أن يتمم مشروعه السينمائي لا تعوّض وفقدان عبد القادر عبد اللي قبل تحقيق حلمه الأدبي كبيرة وغيرهم الكثير الكثير، وصولاً لخسارة سوريا، لصناعي تميّز منذ بدايته بالتفوّق، وباع الماء بحارة السقائين ووصل ببيئة تنافس يعتبر دخيلاً عليها، للقمة.

قصارى القول: غيّب الموت، في العاصمة الهنغارية بودابست، قبل أيام، المهندس السوري بسام غراوي المعروف بملك الشوكولا، عن عمر 64 عاماً، إثر معاناة مع مرض سرطان الدم، ليترك إرثاً من الجوائز العالمية ومنشآت توزعت بين دمشق وبيروت، ومعمل ومركزاً لتوزيع الشوكولا بالعاصمة الهنغارية، افتتحه العام الماضي بكلفة 25 مليون يورو.

نالت “غراوي” جوائز عالمية متقدمة على الشوكولا الفرنسية والسويسرية

 

ينحدر بسام غراوي من عائلة دمشقية تخصصت، منذ عام 1805 بصناعة الشوكولا، لتتحول مؤسسة غراوي عام 1931 إلى إحدى أهم الشركات الصانعة للشوكولا بمنطقة الشرق الأوسط، بعد أن رفعت شعار “التحكم بالجودة” وأن صناعة الشوكولا مزيج بين العلم والفن، لتنال “غراوي” جوائز عالمية متقدمة على الشوكولا الفرنسية والسويسرية، كما حدث بمعرض باريس منذ عام 1937 وامتد حتى عام 2005 خلال فوز “غراوي” بالجائزة العالمية للتميز بباريس.

وذاع صيت شوكولا غراوي، بعد اعتمادها المقاييس العالمية وحملها الخصوصية السورية، عبر استخدام مكسرات غوطة دمشق، من لوز وجوز، والفستق الحلبي من شمال سورية…. فمن هو بسام غراوي؟

بسام غراوي مهندس مدني مواليد دمشق عام 1954، عمل رئيساً تنفيذياً لمؤسسة “غراوي للتجارة والتسويق” منذ عام 1975، وأسس شركة “غراوي المتحدة” عام 1994 ورئيسًا تنفيذيًا لشركة غراوي عام 1993، كما شغل منصب رئيس شركة “شرق المتوسط” للهندسة والمقاولات المحدودة عام 2003، وعمل أميناً عاماً في اتحاد غرف التجارة السورية وغرفة تجارة دمشق، بين عامي 2009 و2014.

وكان شريكًا مؤسسًا في “مجلس الأعمال السوري- الفرنسي” وترأسه بين عامي 2008 و2013، وعُيّن نائبًا لرئيس “الغرفة التجارية العربية- الفرنسية” بين عامي 2010 و2014، قبل أن يقيم بهنغاريا ويحصل على الجنسية منذ عام 2015 ويؤسس آخر منشأة ببودابست عام 2017.

وأسس غراوي عام 1993 معمل السكاكر والشوكولا ببيروت، ولكن يعتبر المصنع الذي افتتحه غراوي في دمشق في 1996، والذي خصص 60% من إنتاجه للتصدير، من أكبر المنشآت، إذ كان يعمل فيه 250 موظفا، ويقع على مساحة ثمانية آلاف متر مربع، ويستخدم أحدث التقنيات العالمية في صناعة الشوكولا.

نهايته القول: على الأرجح، يتفق جميع السوريين، على اختلاف مواقعهم وحتى مواقفهم من الثورة، على خسائر بشرية كبيرة، فرأينا وخلال أمثلة عديدة، نعي بعض “الإعلام” ومن كلتا ضفتي السوريين المنقسمين. إذ لا يختلف أصحاب العقول والهم الوطني، على الالتفاف حول “قواطر” قلما يعيدها الزمان.

ورثى سوريون كثر، بسام غراوي، بيد أن لما كتبه السفير السوري السابق بلندن، سامي الخيمي، طعماً آخر، تبدل بين الحلاوة والمرارة، تماما كما شوكولا غراوي.

ومما قاله الخيمي عن موت غراوي: “إحدى مجموعات طوابع سورية شاهدة على عظمة شوكولا غراوي، فالمجموعة صدرت للاحتفاء بمعرض باريس 1837، حين فاز الغراوي (المرحوم صادق الأب) بجائزة المعرض للشوكولا (ذهب يومها يبيع الماء في حارة السقايين)، لتفوز سورية رغم وجود السويسريين والبلجيكيين والفرنسيين في المعرض.

وتابع بسام المسيرة، وكنت أقول له أحياناً: لماذا تصر على الشوكولا، بينما يمكنك التركيز على التراث الدمشقي، ملبس المولد، كعب الغزال، الفواكه المجففة ..الخ

كانت فكرتي -يتابع السفير الخيمي- مبنية على جهل مطبق بصناعة الشوكولا، معتقداً أن الشوكولا التجارية التي كنا نلتهمها بشغف ونحن صغار (ليندت، وغوديڤا ونستله ..الخ) هي أفضل أنواع الشوكولا.

كان ينصت بأدب ويعدني بزيادة بعض الأصناف، ثم حط بي الزمان لأصبح سفيراً في لندن، فاتصل بي وقال لي إنه سيرسل لي كمية كبيرة من الشوكولا لضيوفي …قبلت شاكراً واقترحت عليه الأصناف، وطلبت أيضاً علباً تحتوي على قطعتين فقط لتوزيعها على الخارجين من أعيادنا الوطنية (بقيت سفارة لندن تستقبل المئات ثم الآلاف بمناسبة عيد الجلاء).

تجرأت عام 2006 واستأذنت مكتب الملكة لإرسال شوكولا غراوي لها، ومع توقعي لاعتذارهم كون الملكة لا تقبل هدايا غذائية، فوجئت يومها بترحيب الملكة بالهدية.

وهكذا كان وأصبحت أتلقى في كل عام رسالة شكرٍ من الملكة تمجد فيها الطعم المتميز لشوكولا غراوي، وأرسلت الرسائل لبسام ليعلقها بمحاله.

وكذا ضيوفي البريطانيون، كانوا يرسلون لي رسائل تمجيد بهذه الشوكولا الفاخرة، حتى أصبحت أشعر أني سفير شوكولا غراوي، خاصة بعد أن شرح لي أحد المختصين مدى تفوق إنتاج غراوي على نظرائه الأوربيين بفضل نسبة الكاكاو وإتقان الصنعة.

ويتابع السفير الخيمي بشهادته عن المرحوم غراوي: غادر بسام دمشق عام 2012 ومعه زوجته، إحدى أجمل وأظرف نساء سورية، لإنشاء معملٍ في هنغاريا، فيه كل خصائص معمل دمشق- الغوطة المتوقف، وبدأ يعرض البضاعة الفاخرة وسط إعجاب المستهلكين وتقدير المختصين.

ولكن، أتى المرض الخبيث ليخطف الموهبة، ويذهب بسام غراوي وهو حزين على ما آلت إليه سورية التي كان يتمنى أن يعود إليها ليبني منشأة صناعية أهم وأفضل مما كان.

إذاً، يستمر قتل المواهب وتغييب الطاقات، وربما في ذلك أمرّ ما أجبروا أمنا سوريا على تجرعه، ولعل بالموت خارج سوريا، مرارة مضاعفة تفوق ميزة شوكولا غراوي وقدرة السوريين على البلع والتحمّل.

بواسطة
عدنان عبد الرزاق
المصدر
زمان الوصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق