بورتريه

رياض درار: لايجب إلباس الدين عباءة الايديولوجيا وجعله نظاماً سياسياً

الشيخ الدكتور رياض درار، عُرف بالاتزان والجرأة في الرأي والموقف، وهو الذي يقرأ ويحلل بتمعن وروية، فيُقارب أكثر المسائل الفكرية والسياسية حساسيةً والتي تعني بشكل أساسي شعوب منطقتنا الشرق الأوسطية،… العلمانية، الاسلام والاسلام السياسي، الارهاب، الأزمة السورية، القضية الكردية،… للاطلاع على رؤيته كان لنا معه هذا الحوار الغني “

– حبذا تعريف قُرّاء جريدة الوحـدة بشخصكم الكريم ونتاجاتكم المنشورة ؟.
– من مواليد دير الزور 1954، أحمل إجازة في الآداب ـ فرع اللغة العربية، عملت خطيب مسجد لأكثر من عشر سنوات في مساجد دير الزور، كتبت في مسألة العلمانية والإسلام ، ومحاضرات ومقابلا ت في الفكر والسياسة.

أبرز الصحف التي كتبت لها  /حنطة  ــ جيرون ــ السوري الجديد ــ الحوار المتمدن وغيرها/، وأبرز المقالات حول ـــ الإسلام الديمقراطي ـــ العنف والديمقراطية ـــ  طوائف بلا طائفية ـــ تجلّي الإصلاح الدينيّ الوهابي على الإسلام السياسي ـــ إصلاح أم تجديد ديني ـــ العلمانية والتجديد الديني ـــ وثنية مفهوم الوطن  ـــ الفرق بين الاسلام السياسي والاسلام العام ـــ ضياع البوصلة بين الداخل والخارج ـــ معالجة التشدد ــــ مدنية الدولة في الإسلام ــــ الحل الكوردي هو حل لكامل المسألة السورية ــــ المثل العليا بين العلمانية والاسلام ــــ المثل العليا والديمقراطية ـــ مبادئ الديمقراطية ومشاركة المسلمين في العملية السياسية ـــ الطريق إلى إدارة التنوع وتوثيق العيش المشترك .

– بعد مرور أكثر من خمس سنوات على الحالة السورية، ما المخرج الذي يراه الشيخ رياض درار ممكناً ومتاحاً للأزمة التي يعانيها السوريون؟.

ـــ القضية السورية “معقدة جدا ومرتبطة بأطراف عديدة”، سيما وأن تداعياتها، منذ بدايتها قبل خمسة اعوام، تمثلت بإفراز عدة قضايا معقدة، مثل قضية النازحين السوريين، والصعوبات في المجال الإنساني، إضافة لتأثيرها سلبا على السلم والاستقرار في المنطقة، كما أظهرت مسائل كانت مختفية بفعل الاستبداد والقهر مثل حقوق الكورد وبقية المكونات ومكانها في التحولات الجارية، كما ترتبط القضية السورية بمصالح عدة أطراف، لذلك سيكون هناك صعوبات في عملية حلها. ولعل  الحل المطلوب والمخرج الوحيد للأزمة السورية لايتم الا عبر المفاوضات السلمية فالسبل العسكرية لن تؤدي الى أي حل بخصوص الملف السوري، وهي تحتاج الى نوع من الصبر ومزيد من الوقت للمفاوضات السلمية.

– كيف تنظرون إلى أدوار الإسلام السياسي في المنطقة عامةً وفي سوريا بوجه خاص… وهل انتهاج العنف ولغة الحرب في هذا الزمن يصلح لتحقيق مطالب عادلة أو أهداف نبيلة ؟.

– صحيح أنه بسبب النشأة كانت قاعدة الانطلاق لدى علماء المسلمين، أن الإسلام وبالتالي الدين هو مبدأ وغاية المجتمع الإسلامي، وبالتالي هو دين ودولة ويشمل جميع المجالات والتخصصات وبناء العلاقات داخل المجتمع، إلا أن القرآن أهمل القول في مفهوم الدولة وآلياتها وتسميتها، فلا نص على إقامة دولة ولاتوجد سنة في الدعوة إليها. وبالتالي إن انشغال تيار الاسلام السياسي بإقامة نظام حكم اسلامي، أدخله في صراعات أبعدت المعارضين عن التأثر بالإسلام إلى إيجاد الثغرات، والبحث في الخلافيات

عندما أرفض الاسلام السياسي ، فأنا أتحدث عن دين رائع سحبه إلى وساخات السياسة دعاة لافهم لهم فيها، أو مغامرون اعتلوا ظهر الدين ليسودوا الناس، ناسين أن بنية الدولة الحديثة ليست دينية ولا تقوم على الدين إلا إذا كانت طائفية، والاسلام ليس دولة بل دعوة، والدولة لادين لها وإنما المجتمع، والناس يعتقدون بما شاؤوا ولا يجب فرض دين على أحد ولاتمييز بين المؤمنين مهما تنوعت مصادر إيمانهم، وفي حال تعددت القوميات المواطنة هي المرجع.

إلباس الدين عباءة الايديولوجيا يجعله أداة بيد من يفرض الايديولوجيا للتحكم برقاب الناس . ولايجب إلباس الدين عباءة الايديولوجيا وجعله نظاما سياسيا، كما لايجب إكراه الناس على الدين لأن كل إكراه يمنع تحقق كلمة الله في الأرض ويحرم الناس من حرية الاختيار. الحرية هي كلمة الله التي تجمع بين الانقياد الطوعي لله والكفر بالطاغوت أياً كان، والحكم في القرآن كله يقصد به القضاء والتشريع .. فالحكم لله ولا يشاركه أحد أما السلطة التنفيذية فقد أسماها القرآن “الأمر”  وتركها الله للناس / وشاورهم في الأمر ــــ وأمرهم شورى بينهم / وممارسة الديمقراطية تكون في مجال الأمر..

الحركات الحديثة باسم الإسلام السياسي تسعى لفرض مفهوم الحاكمية وهو مفهوم مغلوط عن مسألة الحكم ، وراحوا يستخدمون وسائل عنيفة لفرض أحكامهم وهذا مخالف لهدي الدعوة وسيرة الرسول ، فهم ينفرون الناس، وليس هناك شعب في العالم، عربياً كان أو أعجمياً، مسلماً أو كافراً، يمكن أن يقبل بأن يحكمه هواة متوحشون يحملون أسلحتهم فوق أكتافهم، ويهدّدون مخالفيهم بالتصفية على أتفه الأسباب. وليس هناك دولةٌ يمكن أن تقوم على يد جماعة ممن يمارسون القتل والسبي واستباحة الحرمات والمقدسات والاستخفاف بأرواح البشر. هؤلاء لا يملكون مشروعاً، ولا رؤية ولا هدفاً نبيلاً في الحياة، ولذلك فإنهم يشوهون الدين ، ومن بعد فإن مصيرهم إلى زوال.

– علاقة الدين بالدولة والسياسة تأخذ حيزاً واسعاً من الجدل والاختلاف بين السوريين، ما هي رؤيتكم عنها؟.

– لا يكفي أن نقول إنّ الإسلام دين وليس دولة، لكي ينتهي النقاش حول علاقة الدين بالدولة في الإسلام، ومن قبل كان الخوارج أول من أكد بأنّ الإمامة ليست أصلا من أصول الدين ولكنها من المصالح المفوضة لنظر الأمة.

الدولة إما أن تكون دينية أو علمانية وكل دولة باسم دين أو ايديولوجيا هي دينية حتى لو كانت ملحدة، العلمانية تعني فصل الايديولوجيا عن الدولة ومن خلال هذه المأسسة تصبح العلمانية أكثر وضوحا، ولن تعني العلمانية إخراج الدولة من مجال الدين ، إنما تعني عدم سيطرة أحدهما على الآخر

الإسلام هو الحل، شعار سياسي يعني تحويل الإسلام إلى ايديولوجيا، وتحديداً ايديولوجيا مناهضة للحداثة، ولن تقوم دولة للمسلمين حتى يتعلمنوا ويفقهوا علوم الديمقراطية وحقوق الانسان بالفعل لا بالإدعاء. وإذا تعلمنوا تعلموا أن الدين لله وأن الحياة مع الآخرين مواطنة وليست مساكنة.

– هل يمكنكم تلخيص أبرز الدروس والعبر في ضوء ما شهدته ساحتنا السورية من مواقف وفظائع واغتراب بعد مضي قرابة ستة أعوام على تفجُّر الأزمة ؟.

– لا تستمد الثورة السورية شرعيتها من استبداد النظام وفساده وإجرامه ومصادرته حقوق السوريين فقط، وإنما هي تستمد ذلك، أيضاً، من توقهم الى الحرية والكرامة والمساواة، والعيش كمواطنين لا كمجرد رعايا. ورغم المطالب العادلة للثورة السورية فقد نجمت عنها تداعيات كارثية وخطيرة، فالعنف ساهم في انحرافها ، والتفكير بالسلطة خرب بنيتها من الداخل وحرف قياداتها عن مهامها النبيلة .

فالثورة، على النحو الذي سارت عليه لا سيما منذ تحولها نحو العسكرة، وغلبة الصراع المسلح  على أشكال الكفاح الشعبية الأخرى، وعشوائية وتخبط الناشطين فيها جعلها تخفق في السياسة والتنظيم، وتعتمد العفوية والمزاجية والقدرية وترتهن للخارج، في طرق عملها وبناها وصراعها ، مما أضعف صدقيتها أمام الشعب وأمام العالم.

لم تنجح الثورة السورية، على رغم مرور ستة أعوام على قيامها، وعلى رغم كل هذه  والكوارث والتحديات، في إنتاج كيان سياسي مقنع يشكل بديلاً للنظام، ولا تشكيل جيش وطني، ولا في جذب واستقطاب غالبية السوريين من حولها، ولا في طرح نفسها كبديل مقنع. وبالتالي لا مناص للمعارضة بكل أطيافها، السياسية والعسكرية والمدنية، من الاعتراف بوجود أزمة في الثورة، بسبب انزياحها عن أهدافها وعن مقاصدها الأساسية، وتخلف أشكال عملها،. وانكشاف الكيانات السياسية والعسكرية والمدنية التي ظهر أنها لاتعمل  كأدوات للثورة، مع قصور تمثيلها، وضعف فاعليتها، وتخلف خطاباتها، وارتهانها للخارج.

الأحداث التي جرت أبرزت مسائل عدة منها : صراع الهوية / الديني والإثني والطائفي / والذي عمل النظام على استثماره في حين لم تفعل المعارضة مايفوت عليه هذه الفرصة، بل ساهمت بعض ممارساتها على بث الخوف من نتائج هذه الثورة بل برزت ممارسات منفرة ومستعدية لجماعات كاملة كالكورد مثلا والعلويين . وكذلك فإن تصاعد الصراع المسلح دون استراتيجية مدروسة أدى إلى نكسات عدة آخرها ماجرى في حلب، وأدى إلى إخراج الشعب من معادلة الصراع وأخيرا التدخل الخارجي الذي سبب مزيدا من تأزيم الثورة ومن عصيان الحل ولعل التدخل التركي بقواته وبمن صنعهم من مرتزقة يعملون لحسابه وجه من وجوه هذا التدخل المفضوح، إضافة إلى المواجهات التي تحصل بين الثوار كدليل على قتال المصالح بينهم وبعدهم عن أهداف الثورة .

6- كيف تنظرون إلى أحوال ثاني أكبر قومية في البلاد متمثل بالمكوّن الكردي والدور الذي لعبه في حماية السلم الأهلي والمرافق العامة في مناطق تواجده التاريخي من الشمال السوري، وتصديه لمشاريع وهجمات تنظيمي داعش والنصرة وملحقاتهما؟.

– الكرد أعرق وأقدم سكان منطقة الشرق الأوسط حل عليهم سوء الطالع بمعاناة هي من أشد حالات الإشكاليات الشائكة، والظروف الجيوسياسية جعلت العيش الإشكالي قدرا محتوما عليهم. الأكراد هم الشعب الأكثر اضطهاداً في المنطقة منذ أكثر من مئة عام، ورغم انهم قومية كبيرة وعريقة وراسخة القدم في المنطقة، غير أنهم وقعوا ضحية النزعات القومية للإمبراطوريات التي تواجدوا فيها وحكمتهم من جهة، وبين مصالح الدول الاستعمارية من جهة أخرى. الكورد على أرضهم التاريخية، إلا أنهم يصهرون ويذوبون في أرواح غير أرواحهم ويلبسون أجساداً غير أجسادهم وهم يمثلون إحدى أكثر الظواهر التاريخية والإجتماعية التي يطالها الإنكار والإبادة بكثافة، ماجعل تبني الظاهرة الكردايتية وقضاياها التاريخية والمتعلقة بالحياة والجهود التحررية هو شيء أشبه بتحمل عبء جبل شاهق، وجعل النضال من أجل إثبات الوجود يستغرق كل هذه الفترة الزمنية منذ سايكس بيكو إلى يومنا هذا وقد مر فيها  محطات فكرية ثقافية وأخرى عملية تنظيمية وحركية كان أبرزها محطة مهاباد، ثم المقاومة البرازانية والأوجلانية دون دخول في تفاصيل هذه الحركية التي جعلت العالم يلتفت إلى الوجود الكوردي وحقوقهم في تقرير مصيرهم .

لقد ساهم الكورد في الدفاع عن الأراضي السورية من هجمات التنظيمات المتشددة وعمدوا بالدم نضالاتهم ومنعوا هذه التنظيمات من تحقيق انتصارات لهم على الأرض السورية ومازالوا يلاحقون فلولهم في مناطق كثيرة حتى يخلصوا البلاد من شرورهم ، وبطولاتهم تجعل كل وطني شريف ينحني لها ويناصرها.

نحن في سوريا ولحل المشكلات العالقة في القضية الكوردية علينا أن نتطلع إلى النظام الفيدرالي الذي هو شرط لتحقيق الوحدة في سوريا وليس عامل تقسيم كما يدعي البعض ، إن البديل عن الدولة المركزية التي صارت مفككة بفعل الحرب والصراع الدامي مع المتطرفين والثائرين، هو قيام نظام لامركزي ديمقراطي، وهذا يستوجب بناء وتجديد القواعد السياسية والقانونية والاقتصادية للبلاد وفقا لقيم المواطنة وبما يوفر الحقوق والحريات الأساسية ويحقق العدالة الاجتماعية عبر توزيع عادل للأراضي والمياه ومصادر الطاقة،  ومن خلال حكومة تولي اهتمامها للتنوع وللروابط التاريخية بين السكان، وتعمل على تسوية إدارية اجتماعية جديدة عبر انشاء هيكل ديمقراطي يعتمد اللامركزية الموسعة ويحل محل الدولة المفككة، ويكون قادرا على الانتقال السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة نزيهة، والتمسك بحرية المرأة ودورها في المشاركة القيادية في كافة مفاصل الدولة.

7- كلمةً أخيرة تودّ توجيهها إلى قراء الوحـدة والسوريين أينما كانوا؟.

– النخب التي تحدثت في المواطنة والديمقراطية والمجتمع المدني لم تبن هذه الأفكار على مضامين عملية؛ فبقيت في علب مستوردة دون اسقاط على الواقع لأنها تهمل تكوينات المجتمع وبناه الأساسية؛ حيث المواطنة الحقة تعترف بمكونات المجتمع المتدين وغير المتدين ، ومن كل الإثنيات والطوائف، والديمقراطية تراعي المشاركة وليس التبعية؛ وحين نتحدث عن حلول لمشاكل المكونات، علينا أن نبحث ذلك في إطار تثبيت حق المواطنة، وليس فى إطار حماية حقوق الأقليات. لقد تعامل بعض كتابنا مع مفهوم الوطنية كمفهوم ايديولوجي حزبي، وشتان ما بين الوطنية والحزبية، المواطن من حقه أن يقول لا قبل أن يقول نعم، ومن حقه أن يقرر مصيره بكل حرية.

علينا كمثقفين وقوى حية أن نقف مع حيادية الدولة لأن ذلك عامل مهم في تكوين الوطنية، وفي الحفاظ على الوحدة وتماسك المجتمع من الانفراط، مع السماح بحرية الحركة في إطار المجتمع المدني للجميع للتعبير عن ثقافة أو انتماء أو ولاء للمعتقد، الدولة التي تقوم على المساواة، وتكافؤ الفرص  دولة تقوم على عقد اجتماعي بين أفراد أحرار ومستقلين تجمعهم مبادئ مشتركة، ويقوم تنافسهم على الاختيار بين برامج للقوى السياسية، مثل هذه الدولة لا تخشى التنوع ولا التعدد الإثني والديني والمذهبي إذا بقي في إطار الاجتماع العام دون تدخل في السياسة أو تدخل السياسة فيه .

وفي بلدنا سوريا يمكن أن تكون الأمة السورية الديمقراطية هي الاسم الجامع بعيدأ عن كل بعُد قوموي أو طائفي أو ديني أو عرقي أحادي. فتكون حديقة تزدهر فيها أنواع الورود ومن مختلف الألوان وهي تقوم ضمن إطار وطن ديمقراطي وسياسة ديمقراطية. لإن التعددية وقبول الفوارق هي أساس الاتحاد لهذه الأمة، كما أن تفعيل الإدارات المحلية وتوزيع السلطة المركزية على الولايات والأقاليم والمناطق والنواحي هي من إحدى متطلبات التعددية والديمقراطية للوطن الديمقراطي ، بالإضافة إلى أن قدرة جميع الشرائح والمكونات والأطياف في التعبير عن نفسها ومطالبها عبر الأحزاب والمنظمات السياسية، هي من إحدى الصفات الأساسية للسياسة الديمقراطية السلمية، وبهذا تضمن الأمة الديمقراطية تمثيل هوية جميع الأطياف والثقافات والقوميات، وبذلك تمثل الذهنية والروح المعنوية للنظام الديمقراطي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق