بورتريه

النسر العجوز.. عمر أبو ريشة

عندما كانت تضيق دهاليز البيت الأبيض بالرئيس الأمريكي جون كينيدي ، كان يستدعي السفير السوري عمر أبو ريشة، كي يسامره ويحدثه بالشعر والسياسة و التاريخ ويجلس معه الساعات الطوال.

ومرّةً قال له أنت مبدعٌ يا عمر و لو كنت أمريكياً لعينتك مستشاراً لدي، فرد عليه أبو ريشة وقال : لوكنت أمريكياً يا فخامة الرئيس لكنت جالساً الآن على كرسيك.

عمر أبو ريشة ابن منبج (قرية اللويبدة) الدبلوماسي البارع والشاعر الفحل، كان يجيد من اللغات الإنكليزية والفرنسية و الإسبانية و البرتغالية و الألمانية، ويستطيع أن ينظم بهن شعراً.

أنهى عمله في السلك الدبلوماسي عام 1971 عندما تسلم الأسد السلطة .

لم يستطع العيش في بلد تحكمه عصابة كما كان يسميها فغادر إلى بيروت، وعندما اشتد أوار الحرب هناك عاد إلى سورية، ثم غادر إلى الرياض عام 1980 ليموت هناك عام1990.

في أحداث حماة عام 1982 كتب ملحمته الطويلة ( عودة مغترب ) ولم ينشرها أثناء حياته ، بحثت عنها طويلاً حتى وجدتها مسجلة بصوته و صورته في إحدى الجلسات الشعرية في السعودية وهي موجودة على اليوتيوب.

تعد قصيدة من عيون الشعر العربي والتي يقول مطلعها:

ألفيتُ منزلها بوجهي موصدا
ما كان أقربه إليَّ و أبعدا
كلتّ يداي على الرتاج وعربدت
في سمعيَ المشدوه قهقهةالصدى

إلى أن يصف الأسد وعصبته بأقذع الأوصاف.

من كل منفضِّ السبيل لقيطهِ
شاءت به الأحقاد أن تتجسدا
هذي حماةُ عروسة الوادي على
كبر الحداد تجيلُ طرفاً أرمدا
هذا صلاح الدين يخفي جرحه
عنها و يسألُ: كيف جرح أبي الفدا

من أجمل ماكتب أبو ريشة ولا أظن أن القصيدة
نشرت في ديوان بعد رحيله. كثيرون شككوا بها حتى شاهدته يلقيها بنفسه.رحم الله أبا ريشة .
*************

أحببتُ أن أرد على أبي ريشة بقصيدة من نفس الوزن والقافية ، ربما لاترتقى لقصيدته الملحمية ولكن في المحاولة رجاء.

*************
ألفيت َمنزلها بوجهكَ موصدا
ما كان أقربَه إليكَ و أبعدا

تعبت يداكَ و ما أتاكَ جوابها
و كأنها صمّاءُ ما سمعت نِدا

هي تسمعُ الصوتَ المنادي إنما
لم تستطع رداً تجيبُ على الندا

كانت كما الطُهر القديم نقاوةً
لكنَّ رونقها ذوى و تبدَّدا

هي بانتظاركَ يا صديقي إنما
شاءت لها الأقدارُ أن تتقيدا

لم تستطع همساً تشير لشوقها
ضاع انتظاركما إلى اللقيا ُسدى

كم أدنتِ الأيام منها ملاعباً
سكرى بطل ٍّفي صبيحات الندى

كانت رُباها بالأزاهر جنةً
حتى أتى وغدٌ سطا و تسيدّا

صارت بلادكَ ياصديقي أسيرةً
بأيادي سفّاحٍ تمادى و اعتدى

إن كان والدهُ دنيئاً سافلاً
فالإبنُ منه اليومَ أوسخُ مَحتِدا

يستنبحُ الأوغاد كي يزنوا به
من كلِّ فجٍّ غابرٍ يدعو الردى

من كل أوسخ رقعةٍ يأتي بهم
وهو الذي صار الخنيث المقعدا

أسدٌ على شعب الإبى لكنّهُ
كالأرنب المذعور قدّامَ العدا

خمسون في قعر الهزيمةِ ساقطٌ
ما كان للضِبعان أن تستأسدا

في الصبح ليثٌ هادرٌ و مقاومٌ
في الليل يشرب قهوةً عند العدا

رهنَ البلادَ لعُصبةٍ أفاّقةٍ
و يبيعُ للأوغاد إرثاً تالدا

لم يحتمل صوت الكرامة عندما
كتبت له الأطفال دوركَ قد بدا

فاستلَّ سيف الحقدضبعاً هائجاً
وكما أبيهِ الأمسَ أرغى و أزبدا

ليست حماةُ لوحدها لكنَّما
كلُّ البلاد تجيلُ طَرْفاً أرمدا

وكما صلاح الدين يخفي جرحه
فالكلُّ يسأل عن جراح أبي الفدا

كلُّ البلادِ جريحةٌ مذبوحةٌ
ودماءُ أطفالٍ تسيلُ على المُدَى

هذي دمشقُ تشدُّ جرحاً غائراً
و ترشُّ فوق الجرح ملحاً أسودا

يا شامُ يذبحنا سكوتُكِ حسرةً
إني أخافُ على روابيك الردى

مرٌّ هو طعمُ القصيدة في فمي
وأصيح، لكن لايردُّ سوى الصدى

كم دمعةٍ في الجفن سالت حَرّةً
أرجو هجير سيولها أن يبردا

ورحلتَ ، لكن ما مدَدتَ لهم يدا
ومضيتَ في سفرِ العظام مخلدا

لو كنت حيّاً يا صديقي بيننا
لرأيت حقدهمُ البغيضَ الأسودا

لرأيت كيف الذئبُ كشَّرَ نابه
و أزاح عنه قناعهُ المستأسدا

لكنَّ هذا الليل فينا سينتهي
و يطلٌّ فجرٌ بالشموس مورّدا

ياشامُ مازاغ الفؤادُ و ما غوى
إني أرى في الأفق غيماً مرعدا

فغداً ستمطرُ فوق أرضكِ وابلاً
و تعود للدنيا حكايات الندى

و تعود للشعب الأبي ِّ كرامةٌ
فوق الذُرا تُعلي شَموخاً سُؤددا

سترددُ الدنيا نشيد طفولةٍ
كتبتْ على الجدران موعدنا غدا

(جمدت عيون الشرق من سهرٍعلى
ميعاد وثبتكِ الجموحِ على العدا)..

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق